الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

64

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

عليها من فعل ما تقتضي تلك المعرفة فعله ، وترك ما تقتضي تركه على اختلاف الأفعال ، والتروك في قوة الاقتضاء وضعفه بحسب مرتبتها . وبعبارة أخرى : تترتب على قبول القلب تلك المعارف حالات نفسانية من التوكل والرضا والتسليم والتفويض وأمثالها ، التي ذكرت في الأحاديث ، ويترتب على تلك الحالات ، وتلك المعارف والأعمال الخارجية من إتيان الصلوات والعبادات والأفعال الحسنة المترتبة على جميع الجوارح كل على حسبه . فتحصل من الجميع أن للإيمان أربعة شؤون : الأول : شأن في مقام الاعتقاد . الثاني : شأن في مقام قبول القلب والنفس تلك المعارف . الثالث : شأن في مقام الحالات والأخلاق والملكات . الرابع : شأن في مقام العمل . ومن المعلوم أن نسبة كل سابق إلى لاحقه كنسبة الأصل للفرع والبذر للزرع إذا الاعتقاد هو المؤثر في قبول ما بعده ، والقبول فرع الاعتقاد ، الذي هو القبول في القلب ، وهذا القبول القلبي سبب لانبعاث الحالات النفسانية الموافقة لتلك المعرفة ، وهذه الحلات هي مبدأ الأفعال والتروك الخارجية ، ومثاله الذي يبين هذا المعنى مثال من أخبر بمجيء أسد في مكانه ، فإيمانه بالمخبر وخبره هو اعتقاد صدقه وقبول كلامه ، وإذا اعتقد وقبل أثر في حقه خوفا وهو الحال الحاصل له بعدهما . ثم بعد ذلك يتصدى ويطلب الهرب ، فيهرب حينئذ بإرادته المنبعثة عن خوفه ، فهذه مراتب أربع فبحصولها يكمل إيمانه بالمخبر حيث آمنه التكذيب والمخالفة ، وجعل نفسه ذا أمن من الشك والاضطراب بقبوله خبره اعتقادا أو قبولا وحالا أي خوفا وعملا أي هربا . فكل مؤمن بالنسبة إلى الدين ومتعلقات الإيمان - على ما سيأتي بيانه - إذا كان في هذه الشؤون الأربعة فهو مؤمن حقيقة كامل في إيمانه .